الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

58

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

وإستبرق ؟ ! أولًا : إن الشرب بالعين يعني الشرب بواسطة العين وليس من العين ذاتها . فالعين معينة على الري ولكن الري ليس فيها نفس . والعين هنا ذاتية ، وكنا تكلمنا عن زمزم وكونها مجاورة لمقام إبراهيم ، وفسرنا وجود زمزم على أنها عين البصيرة المتفتحة . فكل إنسان عينه فيه ، ومعه ، ومتى تفجرت علَّمت الإنسان ما لم يكن يعلم كما حدث للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وليوسف الذي علم تأويل الأحاديث ، ولسليمان الذي فهم مسألة نفش غنم القوم دون أبيه داود ، وللعبد الصالح الذي علم موسى ما لم يكن يعلم . فهذه العين هي التي تسقي شراب العلم . وسمي شراباً : لأن أصله ذوق ، والعلم الذي كله ذوقي ، أي لا يعرفه تمام معرفته إلا من يذوقه . والذوق : اتصال شخصاني بالمدد الرحماني حتى يحصل العلم الرباني ، وإلا فلا علم ، ولذلك أنكر موسى على العبد الصالح فعله ، وأنكر إبراهيم ضيوفه لما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل الذي قدمه . ويؤدي الشرب من عين الله إلى رؤية الجنة ، إذ حدد سبحانه بقوله وأكد بقوله : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً . فأعاد الفعل رأى مرتين . فالشراب مرتبط برؤية النعيم ، لأنه لا يؤدي إليه . والنعيم هنا نعيم العلم أو الجنة المعنوية أو جنة العلوم وهي علوم الصفات . فالعين تُري العين رأي العين خلاصة علوم الذات الإلهية ، وصاحب هذا المقام عارف بالله وعالم رباني ، ولذلك أستحق بأن يكون عليه ثياب سندس خضر » « 1 » . [ من أقوال الصوفية ] : يقول الإمام القشيري : « من جملة ما يجري في كلامهم الذوق والشرب ، ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي ونتائج الكشوف وبوادر الواردات ، وأول ذلك الذوق ثم الشرب ثم الري . فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب ، ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الري . فصاحب الذوق متساكر ، وصاحب الشرب سكران ،

--> ( 1 ) - محمد غازي عرابي النصوص في مصطلحات التصوف ص 173 172 .